صديق الحسيني القنوجي البخاري
558
فتح البيان في مقاصد القرآن
يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ أي قلبوها وغيروها عن صحة إدراكها بما جاءوا به من التمويه والتخييل الذي يفعله المشعوذون وأهل الخفة ، وهذا هو الفرق بين السحر الذي هو فعل البشر وبين معجزة الأنبياء التي هي فعل اللّه . وذلك لأن السحر قلب الأعين وصرفها عن إدراك الشيء ، والمعجزة قلب نفس الشيء عن حقيقته كقلب عصا موسى حية تسعى . وَاسْتَرْهَبُوهُمْ أي أدخلوا الرهبة في قلوبهم إدخالا شديدا بما فعلوه من السحر ، واستفعل هنا بمعنى أفعل أي أرهبوهم وهو قريب من قولهم : قر واستقر وعظم واستعظم ، وهذا رأي المبرد وقيل السين على بابها أي استدعوا رهبة الناس منهم وهو رأى الزجاج وَجاؤُ بِسِحْرٍ عَظِيمٍ في أعين الناظرين وإن كان لا حقيقة له في الواقع ، وكانت تلك الواقعة في إسكندرية قاله الخطيب والخازن . [ سورة الأعراف ( 7 ) : الآيات 117 إلى 119 ] وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنْ أَلْقِ عَصاكَ فَإِذا هِيَ تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ ( 117 ) فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ ( 118 ) فَغُلِبُوا هُنالِكَ وَانْقَلَبُوا صاغِرِينَ ( 119 ) وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنْ أَلْقِ عَصاكَ أمره سبحانه عند أن جاء السحرة بما جاءوا به من السحر على لسان جبريل أن يلقي عصاه ، وصريح السياق يقتضي أن إلقاء العصا وانقلابها حية وقع مرتين بحضرة فرعون الأولى : كانت سببا في جمع السحرة والثانية : بحضرتهم فالأولى ذكرت سابقا بقوله فَأَلْقى عَصاهُ والثانية هي المذكورة هنا ووقع انقلابها حية أيضا مرة أخرى قبل هاتين المرتين ولم يكن هناك حاضرا أحد غير موسى وقد ذكرت هذه المرة في سورة طه في قوله إِذْ رَأى ناراً [ طه : 10 ] إلى قوله أَلْقِها يا مُوسى فَأَلْقاها فَإِذا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعى [ طه : 19 ، 20 ] . فَإِذا هِيَ أي العصا تَلْقَفُ من لقف يلقف وقيل من تلقف يتلقف يقال لقفت الشيء وتلقفته إذا أخذته أو بلعته بسرعة . وقال أبو حاتم بلغني في بعض القراءات تلقم بالميم والتشديد ما يَأْفِكُونَ أصل الإفك قلب الشيء عن وجهه ، ومنه قيل للكذاب أفاك لأنه يقلب الكلام عن وجهه الصحيح إلى الباطل ، أفك يأفك إفكا من باب ضرب وأفكته صرفته وكل أمر صرف عن وجهه فقد أفك ، وسماه إفكا لأنه لا حقيقة له في الواقع بل هو كذب وزور وتمويه وشعوذة . قال ابن زيد : كان اجتماعهم بالإسكندرية فيقال بلغ ذنب الحية من وراء البحر ثم فتحت فاها ثمانين ذراعا فإذا هي تبتلع كل شيء أتوا به من السحر . فَوَقَعَ الْحَقُّ أي ظهر وتبين بما جاء به موسى وَبَطَلَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ من سحرهم أي تبين بطلانه فَغُلِبُوا أي السحرة هُنالِكَ أي في الموقف الذي أظهروا فيه سحرهم وهذا هو الظاهر وَانْقَلَبُوا من ذلك الموقف صاغِرِينَ أذلاء مقهورين .